لقد كان اكتشاف المراحل المتنوعة والمتتابعة التي يمر بها الجنين من المسائل الصعبة والمعقدة في تاريخ علم الأجنة،
إلا أن القرآن الكريم – الذي يرجع تاريخه إلى القرن السابع الميلادي – يمثل أو مرجع بين أيدينا يذكر أطوراً متميزة للجنين
:
:
يقول الله تعالى مبيناً مراحل التطور الجنيني: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ(12)ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ(13)ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(14)﴾ [المؤمنون:12-14]
والمرحلة الأولى التي ستكون موضوع بحثنا من هذه المراحل هي مرحلة النطفة:ويبدأ مصطلح النطفة من المنوي والبيضة وينتهي بطور الحرث (الانغراس)، وتمر النطفة خلال تكونها بالأطوار التالية:
1- الماء الدافق:
يخرج ماء الرجل متدفقاً ويشير إلى هذا التدفق قوله تعالى:﴿فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ(6)﴾ [الطارق:5-6]
وقد أثبت العلم في العصر الحديث أن المنويات التي يحتويها ماء الرجل لابد أن تكون حيوية متدفقة متحركة وهذا شرط للإخصاب
وقد أثبت العلم أيضاً أن ماء المرأة الذي يحمل البييضة يخرج متدفقاً إلى قناة الرحم (فالوب)، وأن البييضة لابد أن تكون حيوية متدفقة متحركة حتى يتم الإخصاب
ويساعد فى اتمام هذا الطور كل من مادة البروستاجلاندين الموجودة ف ماء الرجل والانزيمات التى تفرز من بطانة الرحم
:
:
2- السلالة:
خلال عملية الإخصاب يرحل ماء الرجل من المهبل ليقابل البييضة في ماء المرأة في قناة البييضات (قناة فالوب) ولا يصل من ماء الرجل إلا القليل ويخترق منوي واحد البيضة، ويحدث عقب ذلك مباشرة تغير سريع في غشائها يمنع دخول بقية المنويات
ويشير الحديث النبوي إلى أن الإخصاب لا يحدث من كل ماء الذكر، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من كل الماء يكون الولد)
:
:
3- النطفة الأمشاج:
ومعنى (نطفة أمشاج): أي قطرة مختلطة من مائين.
ويشير القرآن الكريم إلى النطفة الأمشاج
بقوله تعالى:﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2)﴾ [الإنسان:2].
وتواصل هذه المرحلة نموها، وتحتفظ بشكل النطفة، ولكنها تنقسم إلى خلايا أصغر فأصغر تدعى قسيمات جرثومية (blastomeres).
وبعد أربعة أيام تتكون كتلة كروية من الخلايا تعرف بالتوتية (morula).
وبعد خمسة أيام من الإخصاب تسمى النطفة (كيس الجرثومة) (blastocyst) مع انشطار خلايا التوتية إلى جزئين.
:
:
نتاج تكوين النطفة الأمشاج:
1_ الخلق:
وهو البداية الحقيقية لوجود الكائن الإنساني
فالمنوي يوجد فيه (23) حاملاً وراثياً، كما يوجد في البييضة (23) حاملاً وراثياً أيضاً.
و عندما يندمج المنوي في البيضة لتكوين الخلية الجديدة التي تحوي عدداً من الصبغات (الكروموسومات) مساوياً للخلية الإنسانية (46)، وبوجود الخلية التي تحمل هذا العدد من الصبغيات يتحقق الوجود الإنساني
2_ التقدير (البرمجة الجينية):
وبعد ساعات من تخلق إنسان جديد في خلية إنسانية كاملة تبدأ عملية أخرى، تتحدد فيها الصفات التي ستظهر على الجنين في المستقبل (الصفات السائدة).
كما تحدد فيها الصفات المتنحية التي قد تظهر في الأجيال القادمة، وهكذا يتم تقدير أوصاف الجنين وتحديدها
وقد أشار القرآن إلى هاتين العمليتين المتعاقبتين (الخلق والتقدير) في أول مراحل النطفة الأمشاج في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ(17)مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ(18)مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ(19)﴾ [عبس:17-19].
3_ تحديد الجنس:
ويتضمن التقدير الذي يحدث في النطفة الأمشاج تحديد الذكورة والأنوثة، وإلى هذا تشير الآية: قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46)﴾ [النجم:45-46].
فإذا كان المنوي الذي نجح في تلقيح البييضة يحمل الكروموسوم ( y) كانت النتيجة ذكراً، وإذا كان ذلك المنوي يحمل الكروموسوم (X) كانت النتيجة أنثى.
:
:
4- الحرث:
وفي نهاية مرحلة الأمشاج ينغرس كيس الجرثومة في بطانة الرحم بما يشبه انغراس البذرة في التربة في عملية حرث الأرض، وإلى هذه العملية تشير الآية في قوله تعالى:﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ..﴾ [البقرة:223].
وطور الحرث هو آخر طور في مرحلة النطفة، وبنهايته ينتقل الحميل من شكل النطفة ويتعلق بجدار الرحم ليبدأ مرحلة جديدة، وذلك في اليوم الخامس عشر.
:
:
:
وعليه فقد وصف القرآن الكريم كل جوانب مرحلة النطفة من البداية إلى النهاية، مستعملاً مصطلحات وصفية علمية دقيقة لكل طور من أطوارها
فلقد حدد القرآن الكريم أول مراحل النطفة بالماء الدافق فقال تعالى:﴿فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ(6)﴾ [الطارق:5-6]
وحدد آخرها بحرث النطفة أي غرسها في القرار المكين: قال سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ(13)﴾ [المؤمنون:13].
وفي العصر الذي ذكر فيه القرآن هذه المعلومات عن المرحلة الأولى للتخلق البشري، كان علماء التشريح من غير المسلمين، يعتقدون أن الإنسان يتخلق من دم المحيض.
وظل هذا الاعتقاد رائجاً حتى اختراع المجهر (microscope) في القرن السابع عشر، والاكتشافات التالية للحيوان المنوي والبييضة، كما ظلت أفكار خاطئة أخرى سائدة حتى القرن الثامن عشر، حيث عرف أن كلاً من الحيوان المنوي والبييضة ضروريان للحمل.
وهكذا فإنه بعد قرون عديدة يتمكن العلم البشري من الوصول إلى ما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية.
0 التعليقات:
إرسال تعليق